حيدر حب الله

211

بحوث في فقه الحج

الوجه الخامس : قوله تعالى : ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ . . . ) « 1 » . وتقريب الاستدلال بالآية أنّها جعلت غاية أو منتهى الحج شهود المنافع وذكر الله تعالى ، ولسنا نظنّ أن هذا الحشد الهائل من أقاصي العالم إنما أتى لأداء جملة التلبية أو للتسمية على الذبيحة أو للصلاة ونحوها مما يفعله الناس أينما كانوا ، الأمر الذي يعني أنّ حركة الحج جاءت لتكوين ظاهرة ذكرٍ لله تعالى تمتاز عن الحالات العادية . نعم ، ليس في هذه الآية صيغة أمرٍ دالّةٍ على الوجوب ، إلا أنّها توحي - لا أقلّ - بحضور ظاهرة الذكر حضوراً جاداً في الحج وغاياته مما ينافي المشهور الفقهي اليوم الذي يجيز لك النوم طوال فترة عرفة أو المزدلفة ، وعدم التضرّع أو الذكر لله . إلا قليلًا جداً على مستوى الحكم الوجوبي . ق د يقال : إنّ الآية ظاهرة في أنّ الذكر كان على البهيمة ، مما يحصر دلالتها في التسمية حال الذبح . إلّا أنّه غير وجيه أبداً ، ذلك أنّ الذبح لا يكون أياماً معدودات ، بل ولا متكرّراً إذا لاحظنا فرد الحاج وآحاد الحجاج ، فكيف صرّحت الآية بأن ذكر الله كان أياماً عدة على البهيمة ؟ ! وبهذا يظهر أنّ المراد هو ذكر الله شكراً على ما رزق من الأنعام والخيرات لا على البهيمة نفسها حال ذبحها . الوجه السادس : إن عمل المعصومين عليهم السلام ، وكذا سيرة المتشرّعة وعموم المسلمين عادةً قائمة على ذكر الله تعالى في الحج ، مما يعزّز دلالة الآيات بدرجة ولو بسيطة ، ولا أقلّ من أنها لا تصادم دلالة الوجوب الموجودة في الآيات . وهذا الوجه لا يصلح - لوحده - دليلًا على الوجوب ، لإمكان كون الذكر من المستحبّات المؤكّدة جداً ، كما عليه الفقهاء ، ومن ثم لا تكون السيرة دالةً على الوجوب

--> ( 1 ) . الحج : 27 - 28 .